أحمد بن محمد ابن عربشاه
149
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
[ 22 ] [ العالم العابد في بلاد الشام مع أمير الجان : ] فقال : ذكر أن في الأزمان الغابرة كانت صنوف « 1 » الجن للإنس ظاهره ، تتراءى بأشكال مختلفة وتتزيا بأمثال غير مؤتلفة ، وتظهر لهم الخيالات العجيبة والصور المموهة الغريبة ، فتضلهم ضلالا مبينا ، وتأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم شمالا ويمينا ، وتخاطبهم مشافهة وتوافيهم مواجهة . ففي بعض الأيام ظهر ببلاد الشام مهبط الوحي ، ومهاجر الأنبياء الكرام ، ومحط رحال الرجال من أهل الفضل والأفضال رجل من العباد وأفراد الزهاد ، فاق الأقران بالصلاح وساد أهل الزمان بالورع والفلاح ، وحاز طرفي العلم والعمل ؛ فكمل كثيرا منهم بعد ما كمل ، واستمر يدعو الخلق إلى خالقهم ويحثهم في الإنابة والتوكل على رازقهم ، ويرضونه ويرضيهم في الطاعة ، واتباع السنة والجماعة ، ويقبح الدنيا في أعينهم ، ويحذرهم غدارتها في مكمنها عند مأمنهم ، وكان لنفسه المبارك نقوش في النفوس يجذبها إلى ما يريد جذب الحديد المغناطيس ، ففي مدة يسيرة تبعه طوائف كثيرة ، وانتشر صيته إلى الآفاق وصفا للعباد وقت الطاعة وراق ، وضربت إليه أكباد الإبل ، وامتلأت به الدنيا من العلم والعمل ، واضطرب أمر المردة والشياطين العندة ، وتعطلت أسواق الفسوق وخرج عرق العاصي من العروق ، وتخملت العفاريت وتنكست أعلام الجن المصاليت « 2 » ، وضل سبيل الضلال كل مارد خرّيت « 3 » ، وبطلت زخارفهم وتموياتهم ، وعطلت وساوسهم وتشويهاتهم ، وأهانهم الناس وكسد الوسواس ، وفسد فعل الخناس . فلما ضل سعيهم وكاد يقع نعيهم ؛ اجتمع العفاريت العتاة ، والشياطين
--> ( 1 ) صنوف ، مفردها صنف : نوع . ( 2 ) مصاليت الجن : شجعانهم . ( 3 ) الماهر العارف بالأمور .